محمد جمال الدين القاسمي

207

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

فعلم - مما ذكرنا - أنّ التفسير قسمان : أحدهما : جافّ مبعد عن الله وكتابه ، وهو ما يقصد به : حلّ الألفاظ ، وإعراب الجمل ، وبيان ما ترمي إليه تلك العبارات والإشارات من النكت الفنية . وهذا لا ينبغي أن يسمّى تفسيرا ، وإنما هو ضرب من التمرين في الفنون كالنحو والمعاني وغيرهما . وثانيهما : ( وهو التفسير الذي قلنا إنه يجب على الناس على أنه فرض كفاية ) هو الذي يستجمع تلك الشروط لأجل أن تستعمل لغايتها ، وهو ذهاب المفسّر إلى فهم مراد القائل من القول وحكمة التشريع في العقائد والأخلاق والأحكام على الوجه الذي يجذب الأرواح ويسوقها إلى العمل والهداية المودعة في الكلام ، ليتحقق فيه معنى قوله : هُدىً وَرَحْمَةً * ونحوهما من الأوصاف . فالمقصد الحقيقيّ وراء كل تلك الشروط والفنون ، وهو الاهتداء بالقرآن . وهذا هو الغرض الأول الذي أرمي إليه في قراءة التفسير » ثم تكلم عن التفسير والتأويل في اصطلاح العلماء ، وبيّن عظم شأن التفسير وفهمه بما مثاله : « مثل الناطقين بالعربية الآن - من العراق إلى نهاية بلاد مرّاكش - بالنسبة إلى العرب في لغتهم ، كمثل قوم من الأعاجم - مخالطين للعرب - وجد في كلامهم - بسبب المخالطة - مفردات كثيرة من العربية . فهؤلاء الأقوام أشدّ حاجة إلى التفسير وفهم القرآن من المسلمين الأوّلين ، لا سيما من كانوا في القرن الثالث حيث بدئ بكتابة التفسير وأحسّ المسلمون بشدّة حاجتهم إليه . ولا شك أن من يأتي بعدنا يكون أحوج منّا إلى ذلك ، إذا بقينا على تقهقرنا ، ولكن إذا يسّر الله لنا نهضة لإحياء لغتنا وديننا فربما يكون من بعدنا أحسن حالا منا . . . ! التفسير عند قومنا - اليوم ومن قبل اليوم بقرون - هو عبارة عن الاطلاع على ما قاله بعض العلماء في كتب التفسير ، على ما في كلامهم من اختلاف يتنزه عنه القرآن وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ النساء : 82 ] ، وليت أهل العناية بالاطلاع على كتب التفسير - يطلبون لأنفسهم معنى تستقر عليه أفهامهم في العلم بمعاني الكتاب ، ثم يبثونه في الناس ويحملونهم عليه - لم يطلبوا ذلك ، وإنما طلبوا صناعة يفاخرون بالتفنن فيها ، ويمارون فيها من يباريهم في طلبها ،